WK S M T W T F S
18   1 2 3 4 5 6
19 7 8 9 10 11 12 13
20 14 15 16 17 18 19 20
21 21 22 23 24 25 26 27
22 28 29 30 31    
Days with events are in gray

ستيفن كوك: أسباب أمنية وسياسية وراء غزو غزة

2009-January-09

اطبع
ارسل لصديق
علق على المقال
ستيفن كوك: أسباب أمنية وسياسية وراء غزو غزة

تقرير واشنطن

بدخول الهجمات الإسرائيلية أسبوعها الثالث التي بدأتها بالهجمات الجوية ثم بالاجتياح البري للقطاع، مخلفة ورائها المئات من القتلى والجرحى، انشغلت الأوساط الأكاديمية داخل واشنطن وخارجها بالبحث عن أسباب تلك الهجمات، وما مستقبل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي مع تولي إدارة أوباما السلطة دستوريًّا في العشرين من يناير الجاري. وللإجابة على بعض تلك الأسئلة وغيرها أجرى "برنارد جورتزمان"Bernard Gwertzman" من مجلس العلاقات الخارجية Council on Foreign Relations، حوارًا مع ستيفن كوك Steven A. Cook أحد أبرز باحثي مجلس العلاقات الخارجية في دراسات الشرق الأوسط لاسيما الصراع العربي الإسرائيلي.

وفي هذا الحوار رأى كوك أن الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة لم تكن مستغربة، مرجعًا ذلك لتجدد إطلاق الصورايخ على جنوب إسرائيل من قطاع غزة من جهة، وإلى البيئة الأمنية والسياسية الإسرائيلية من جهة أخرى. ويرى كوك أنه ليس لدى الإدارة الراحلة "إدارة الرئيس بوش الابن" ولا الإدارة الجديدة "إدارة باراك أوباما" شيء يمكن أن تفعله. ويضيف أن لهذه الهجمات جُلَّ التأثير على منطقة الشرق الأوسط في صورتها الكلية، وعلى المصالح الأمريكية في المنطقة مع تزايد قوى الممانعة والمقاومة بالمنطقة، حسب التصنيف الأمريكي، وفي وقت تسعى فيه طهران إلى تحقيق كثيرٍ من المكاسب جراء العدوان الإسرائيلي على القطاع، وهذا من شأنه أن يفرض القضية الفلسطينية على إدارة أوباما الجديدة.

أثارت الهجمات الجوية الإسرائيلية ضد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة دهشة كثيرين. فقد أسفرت تلك الهجمات في أسبوعها الأول عن مقتل أكثر من ثلاثمائة شخص، من بينهم عديد من المدنيين، كردٍ انتقامي على إطلاق صواريخ المقاومة الفلسطينية على إسرائيل من القطاع، وفي الأسبوع الثاني من الهجمات بدأت القوات الإسرائيلية عمليات الاجتياح البري للقطاع. ما تعليقكم على هذا؟

لم تُثر الهجمات الجوية الإسرائيلية ولا الاجتياح البري للقطاع دهشتي؛ لجملة من الأسباب، أولها: انتهاء اتفاق التهدئة بين الطرفين. ثانيها: أنه مع انتهاء التهدئة بدأت الجماعات المسلحة الفلسطينية بما فيها حماس المتواجدة في القطاع بإمطار إسرائيل بصواريخها. فبعد أسبوع من انتهاء وقف إطلاق النار أُستهدفت إسرائيل بما يقرب من مائتي هجمة من القوى المسلحة الفلسطينية. ثالثًا: أن الإسرائيليين كانوا منخرطين في عملياتهم العسكرية الخاصة بالقطاع والضفة الغربية، ولذا كان الطرفان (الإسرائيلي وجماعات المقاومة الفلسطينية) على علم بالنهاية؛ مما دفع كلاًّ منهما للسعي إلى الحصول على نتائجها بأكثر سرعة. ومن ثم لم يكن من المستغرب أن تشن إسرائيل هجمات على قطاع غزة ولاسيما بعد أن وعدت حماس بمواصلة إطلاق الصورايخ واستهداف الإسرائيليين.

هناك كثير من الكتابات داخل واشنطن وخارجها عكفت على تحليل أسباب تلك الهجمات الإسرائيلية، التي تعد الأعنف ضد الفلسطينيين منذ فترة طويلة. فالبعض يراها أنها محاولة لرد الاعتبار إلى الجيش الإسرائيلي بعد هزيمته في حربه ضد حزب الله اللبناني في يوليو وأغسطس من عام 2006، وقد عبر عن هذا الرأي مراسل صحيفة النيويورك تايمز بالقدس. هذا وترجع بعض التحليلات تلك الهجمات إلى أسباب انتخابية تسبق انتخابات الكينسيت المقرر لها الشهر المقبل (فبراير 2009). فضلاً عن بعضها الذي يشير إلى أن إسرائيل تريد استغلال المرحلة الانتقالية لنقل السلطة وقبل وصول الإدارة الجديدة لشن هجماتها ضد الفلسطينيين. وفي ظل تعدد وجهات النظر حول الأسباب الكامنة وراء تلك الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين، ما تلك الأسباب من وجهة نظرك؟.

في حقيقة الأمر يمكن إرجاع الهجمات الإسرائيلية إلى كل تلك الأسباب التي أوردتها في سؤالك. ولكني أعتقد أن أول وأهم سبب لتلك الهجمات هو أن المواطن الإسرائيلي تحت تهديد صواريخ الجماعات المسلحة الفلسطينية منذ فترة. فقبل اتفاق وقف إطلاق النار أُمطرت إسرائيل خلال السنوات الماضية بما يقرب من ثلاثة آلاف صاروخ. وليس هناك حكومة يمكن أن تتخلى عن مسئولياتها الأساسية من حماية مواطنيها حيال تعرضهم لتهديدات. وهذا هو السبب الرئيس من وجهة نظري للهجمات الجوية بل والبرية الإسرائيلية ضد البنى التحتية لحركة حماس وكافة القوى المسلحة التي تنشط في القطاع.

والسبب الثاني والمهم أيضًا في تلك الهجمات والذي لا يقل أهمية عن الأول هو قرب موعد انتخابات الكينسيت الإسرائيلي. حيث يتعرض الائتلاف الذي يقوده أيهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي وزعيم حزب العمل، وتسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية والزعيمة الجديدة لحزب كاديما لانتقادات من اليمين لاسيما زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، والمتقدم في استطلاعات الرأي والذي عارض الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من قطاع غزة الذي اتخذه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ومؤسس حزب كاديما، إرئييل شارون.

وهو الأمر الذي يعطي الائتلاف الحاكم فرصة للعب على وتر أمن المواطن الإسرائيلي من أجل الفوز في الانتخابات القادمة. وسوف تُظهر الفترة القادمة كيف ستنعكس نتائج الهجمات الإسرائيلية في استطلاعات الرأي العام السياسية داخل إسرائيل. ومن هذا المنطلق يصعب إهمال الجوانب السياسية للهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة. ولكن ما أُؤكد عليه هو أن السبب الرئيس لتلك الهجمات يكمن في تعرض الإسرائيليين في الجنوب لهجمات صواريخ الجماعات المسلحة الفلسطينية منذ فترة ليست بقصيرة.

وسبب آخر لتلك الهجمات هو أن قوات الدفاع الإسرائيلية تهدف من تلك الهجمات تعويض أدائها المتواضع في حرب 2006 مع حزب الله اللبناني، فهناك عدد من كبار المسئولين الإسرائيليين المدنيين والعسكريين يرون أنها فرصة لاستعادة الردع الإسرائيلي، الذي ضعف بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 ومن غزة في عام 2005. وهذا الانسحاب الإسرائيلي جعل القوى المسلحة اللبنانية والفلسطينية على قناعة أنه بزيادة التكلفة الدموية التي تتحملها إسرائيل ستُدفع إلى الانسحاب من الأراضي التي تُسيطر عليها لارتفاع التكلفة والخسائر الإسرائيلية.

وتُؤمن عددًا من القوى المسلحة المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط بتلك القناعة التي توصلت إليها القوى المسلحة اللبنانية والفلسطينية. ولذا أراد كبار القادة العسكريين في إسرائيل إصلاح هذا التراجع. وتلك الهجمات تتماشى مع العقيدة العسكرية الإسرائيلية بالرد على التهديدات التي تواجهها بقوى ساحقة ووحشية.

لنتحدث بعض الشيء عن قيادة حماس. من الواضح أنهم يجنون مكاسب ضئيلة من استعادة إطلاق الصواريخ على إسرائيل بعد وقف إطلاق النار، والسؤال هو: هل على الحركة ضغوط لتكون حركة مسلحة أكثر مما هي عليه الآن؟، أم رغبة في العمل الانتحاري؟

تطرف الحركة يخدمها في العملية السياسية الفلسطينية. وهذا التطرف داخل حركة حماس هو ما يدفع الفلسطينيين لتأييد الحركة. وإذا لم تكن حركة حماس متطرفة فإنها لشابهت حركة فتح التي لا ترغب في تبني التطرف. وأعتقد أن ما حدث ليس نوعًا من العمليات الانتحارية ولكن لضغوط داخل قطاع غزة على الحركة لعمل شيء لفك الحصار الذي فرضته إسرائيل على القطاع. فوقف إطلاق النار كان يفترض أن يتبعه تدفق لكثيرٍ من البضائع إلى القطاع، وقد حدث هذا، ولكن ليس بالشكل الذي كان يتوقعه سكان القطاع. والمقاومة هي محور رؤية حركة حماس للعالم، وهو ما انعكس على اسمها "حركة المقاومة الإسلامية"، وهو ما يكدس كثيرًا من التأييد الفلسطيني حولها.

فإذا قرأت التقارير الصحفية الفلسطينية أو لو تحدثت إلى عدد من فلسطيني قطاع غزة الذين عانوا من الحصار لبعض الوقت ولوجدتهم يقولون: "حسنًا، نحن لسنا داعمين لحركة حماس، ولكن يجب أن نفعل شيئًا لإقناع إسرائيل أننا رافضون لفرض هذا النوع من الحصار، وأننا لن نرحل من أراضينا"، وهذا هو السبب الرئيس الذي دفع الحركة إلى عدم الإعلان عن رغبتها في تجديد وقف إطلاق النار بعد انتهائه. وفي الوقت الذي يدور فيه صراع سياسي داخل إسرائيل، يدور صراع مستمر بين حماس ومحمود عباس، زعيم حركة فتح ورئيس السلطة الفلسطينية. ولكن الفصائل الفلسطينية تُرجع هذا العنف إلى الأفعال الإسرائيلية.

ستنتهي ولاية عباس في السلطة أواخر يناير الحالي، ما توقعاتك للمرحلة القادمة؟

حاليًا من غير الواضح ما ستؤول إليه الأوضاع وما سيحدث. ومن الواضح أنه ليس هناك وقت لتنظيم انتخابات. فقد أعلنت حركة حماس أنها لن تعترف بعباس كرئيس للسلطة بعد انتهاء فترته الرئاسية. فقد قال عباس أنه سيحل البرلمان الفلسطيني، الذي لن تعترف به حركة حماس. وهو ما يؤشر إلى جمود سياسي داخل الأراضي الفلسطينية. وأرى أن العنف ليس مفيدًا للرئيس محمود عباس، لأن توسع الهجمات الإسرائيلية يزيد الوضع سوءًا لعباس، فهو الشخص الذي رهن سمعته وإرثه السياسي بالتفاوض مع الإسرائيليين لإظهار أن التفاوض بين السلطة الفلسطينية التي يرأسها والحكومة الإسرائيلية سيؤتي ثماره لصالح الشعب الفلسطيني بالقرب من هدفهم النهائي المتمثل من تكوين دولتهم وسيادتهم عليها. فالهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة تقوض من دعاوي عباس بشأن الاعتدال والتفاوض مع الطرف الإسرائيلي.

أرى أن هذا الأمر يدفعنا إلى الانخراط أكثر في المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، فقد انتهت محاولات الرئيس بوش لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي في نوفمبر من عام 2007 بدون التوصل إلى أي صيغة، وهاهي فترة بوش تنتهي وتتولى إدارة أوباما السلطة دستوريًّا في العشرين من يناير الجاري والتي يعول عليها عربيًّا بطرح مبادرة رئيسة لحل الصراع، ولكن لا يتوقع أن تفعل الإدارة الجديدة شيئًا مع الحرب المستمرة مع بداية تسلمها للسلطة، أليس كذلك؟

حاليًّا، ليست هناك آمال في أن تستطيع أن تفعل الإدارة الراحلة "إدارة بوش" أو الإدارة الجديدة "إدارة أوباما" شيئًا. ومادامت الأطراف، الإسرائيليون وحركة حماس، تريد استمرار القتال لا يتوقع أن تنجز واشنطن شيئًا يمكن التعويل عليه. ولكن ما يحدث حاليًّا يثير جملة من التساؤلات حول أهمية تلك القضية وما ترتب على تأخر اهتمام إدارة الرئيس بوش بهذا الصراع إلا في أواخر مدتها من انفجار الوضع الذي نشهده حاليًّا. وهو الأمر الذي يفرض على إدارة أوباما البحث عن الطرق التي تمكنها من تحقيق ما تريد وما ترى أنه أحد أولوياتها.

إن الوضع بين الإسرائيليين والفلسطينيين ليس بالجيد لنبدأ منه. وإن استمرار العنف وعدم الاستقرار يصعب من المهمة الأمريكية للحفاظ على الأمن الإسرائيلي من خلال إقامة دولة فلسطينية. وهذا التوتر يؤثر على المصالح الأمريكية في صورتها الكلية. فتوتر الصراع العربي – الإسرائيلي يتيح لإيران لعب دورٍ مؤثرٍ في السياسة العربية. وهو الأمر الذي يضع الدول العربية المحورية مثل مصر والمملكة العربية السعودية والأردن في موقف دفاعي؛ للعلاقات المصرية والأردنية مع إسرائيل والتحالف السعودي مع الولايات المتحدة الأمريكية. حيث تمكن تلك الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة إيران من حبك روايات حول موقف الولايات المتحدة وحلفائها من الهجمات الإسرائيلية القاسية على الشعب الفلسطيني. وهو الأمر الذي يصعب من مساعدة الحلفاء في المنطقة لواشنطن. فضلاً عن أن تلك الهجمات توسع من المصالح والدور الإيراني في المنطقة. فحول الحقوق الفلسطينية وتكوين دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة تغيب الخلافات العربية السنية – الشيعية. ففي حقيقة الأمر إن الرئيس الإيراني "محمود أحمدي نجاد" ذو شعبية في الشارع العربي بعد زعيم حزب الله اللبناني "حسن نصر الله".

وهذا الوضع يحد من تحقيق واشنطن مصالحها في منطقة الشرق الأوسط، فبعد تلك الهجمات علقت دمشق المفاوضات "الواعدة" غير المباشرة مع الإسرائيليين من خلال تركيا. وقد قال أوباما أنها ستكون أحد أولويات إدارته، وهو الأمر الذي تبدد في ظل غياب ما يمكن أن تقوم به الإدارة الجديدة ولكنها يجب أن تكون على أجندتها بدخول أوباما البيت البيض في العشرين من الشهر الجاري.


اطبع
ارسل لصديق
علق على المقال
اخف التعليقات