الثلاثاء, يوليو 21, 2026

كشف أثري جديد في سقارة يعيد إحياء سير قادة وتجار مصر القديمة بعد آلاف السنين

يشهد موقع سقارة الأثري جنوب القاهرة اكتشافًا جديدًا يعزز مكانته كواحد من أغنى المواقع الأثرية في العالم، بعدما نجحت بعثة أثرية مصرية في الكشف عن ثلاث مقابر صخرية تعود إلى عصر الدولة الحديثة داخل جبانة البوباسطيون. ويقدم هذا الاكتشاف تفاصيل جديدة عن شخصيات بارزة شغلت مناصب عسكرية وإدارية وتجارية، ما يفتح نافذة واسعة لفهم الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مصر القديمة.

سقارة.. سجل حضاري يمتد عبر آلاف السنين

تُعد سقارة الجبانة الرئيسية لمدينة منف، أول عاصمة موحدة لمصر القديمة، وتضم مجموعة استثنائية من الأهرامات والمقابر والمعابد الجنائزية التي تعكس تطور العمارة والفنون المصرية عبر العصور.

وأوضح الدكتور مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، أن منطقة سقارة تمتد لنحو أربعة أميال طولًا وميلين عرضًا، وتتميز بتنوعها الأثري الفريد مقارنة بالمواقع الأخرى في مختلف أنحاء مصر.

وأشار إلى أن تاريخ سقارة ارتبط ببداية الأسرة الثالثة، عندما نقل الملك زوسر مركز الحكم إلى مدينة منف، وكلف وزيره الشهير إمحوتب بتخطيط الجبانة الملكية وبناء الهرم المدرج، الذي يُعد أول بناء حجري ضخم في التاريخ، ليشكل نقطة انطلاق ازدهار المنطقة وتحولها إلى واحدة من أهم مواقع الدفن في الحضارة المصرية القديمة.

اكتشافات تاريخية صنعت شهرة سقارة

شهدت سقارة العديد من الاكتشافات الكبرى منذ القرن التاسع عشر، إذ وصل عالم الآثار الفرنسي أوجست مارييت إلى مصر عام 1850 بهدف شراء مخطوطات قبطية لصالح متحف اللوفر، إلا أن عثوره على تمثال صغير يشبه أبو الهول وسط الرمال غيّر مسار رحلته بالكامل.

وكرس مارييت جهوده للتنقيب في سقارة، ليكشف خلال سنوات قليلة عن مقبرة العجول المقدسة “السرابيوم” وعدد كبير من الكنوز الأثرية، إضافة إلى أنفاق تحت الأرض وآلاف اللوحات التذكارية التي وثقت زيارات الملوك للموقع.

READ  ويقود المجتمع العربي في الولاية المتأرجحة الرئيسية حملة بايدن

كما أشار شاكر إلى أن عالم الآثار المصري أحمد بدوي اكتشف عام 1941 سريرين ضخمين من المرمر كانا يستخدمان في تحنيط العجل المقدس “أبيس” بالقرب من معبد بتاح، ويُعدان من أندر القطع الفنية المرتبطة بطقوس الدفن في مصر القديمة.

تفاصيل الكشف الأثري الجديد في جبانة البوباسطيون

أعلنت وزارة السياحة والآثار أن البعثة الأثرية المصرية العاملة في جبانة البوباسطيون تمكنت من الكشف عن ثلاث مقابر صخرية تعود إلى عصر الدولة الحديثة، خلال أعمال الحفائر العلمية بالقطاع الشرقي من الحافة الجبلية للموقع.

وأسفر الاكتشاف عن نقوش هيروغليفية وعناصر أثرية مهمة تسلط الضوء على جوانب جديدة من تاريخ جبانة منف، كما توثق حياة عدد من كبار رجال الدولة والمجتمع في تلك الحقبة.

وأكد وزير السياحة والآثار شريف فتحي أن الاكتشاف الجديد يعكس استمرار سقارة في تقديم كنوز أثرية غير مكتشفة، مشددًا على أن الموقع يظل أحد أبرز مواقع التراث العالمي وأكثرها ثراءً بالشواهد التاريخية.

وأضاف أن جهود البعثات الأثرية المصرية والأجنبية تسهم باستمرار في تعميق فهم الحضارة المصرية القديمة وإثراء المعرفة بتاريخها.

إعادة إحياء شخصيات عاشت قبل آلاف السنين

من جانبه، أوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أهمية الكشف لا تقتصر على العثور على مقابر جديدة، بل تمتد إلى إعادة تقديم سير أصحابها، بعدما ظلت مدفونة تحت الرمال لآلاف السنين، وهو ما يمنح الباحثين فرصة أفضل لدراسة المجتمع المصري خلال عصر الدولة الحديثة.

كما أشار محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، إلى أن أعمال التنقيب داخل جبانة البوباسطيون ما تزال مستمرة، ومن المتوقع أن تسفر المواسم المقبلة عن مزيد من الاكتشافات داخل آبار الدفن والمناطق التي لم تُستكشف بعد.

READ  عرب فينيكس: التجارة (PHNX) 2023 0626

المقبرة الأولى.. قائد عسكري ورجل دولة

أوضح الدكتور عمرو الطيبي، مدير عام منطقة آثار سقارة، أن المقبرة الأولى تعود لشخص يدعى “منتوحتب”، وتتميز جدرانها بمناظر دقيقة لحاملي القرابين ومشاهد الصيد، إلى جانب لوحة كبيرة لصاحب المقبرة جالسًا مع والدته “إعح حتب”، بما يعكس مكانة الأسرة الاجتماعية.

وتحمل جدران المقبرة مجموعة من الألقاب المهمة، من بينها الأمير الوراثي، والعمدة، والتابع للملك، والمشرف على البلاد الأجنبية، والمشرف على جيش مدينة خبشيت، وهي مناصب تؤكد أن صاحب المقبرة كان من كبار رجال الإدارة والجيش في بدايات عصر الدولة الحديثة.

كما تضم المقبرة بئر دفن لم تُستكمل أعمال الحفائر داخله، وهو ما قد يكشف مستقبلًا عن معلومات إضافية حول أفراد الأسرة ودورهم في إدارة الدولة.

المقبرة الثانية.. كبير تجار بيت بتاح

أما المقبرة الثانية فتخص شخصًا يدعى “بارع إم وايا”، المعروف أيضًا باسم “ساموت”، والذي حمل لقب كبير التجار في بيت بتاح.

وتضم المقبرة سجلًا عائليًا متكاملًا، حيث حفظت أسماء زوجته “توي” التي حملت لقب سيدة البيت، ووالدته “أتبيو” التي كانت تحمل لقب مغنية المعبود آمون، إلى جانب أسماء أبنائه الأربعة، ما يوفر صورة نادرة عن الحياة الأسرية والاجتماعية لإحدى الشخصيات الاقتصادية البارزة في عصر الدولة الحديثة.

المقبرة الثالثة.. أدلة على علاقات مصر بالشرق الأدنى

وتعود المقبرة الثالثة إلى شخص يدعى “نحسي”، ورغم تعرضها لتلف كبير، فإن النقوش المتبقية كشفت عن اسمه ولقبه كمشرف على البيت، إضافة إلى اسم زوجته “نفرو بتاح”.

ومن أبرز ما عُثر عليه داخل المقبرة جزء من عمود يحمل نصًا هيروغليفيًا يشير إلى عودة أحد القادة من بلاد نهرن الواقعة شمال سوريا الحالية، وهو ما يقدم دليلًا تاريخيًا مهمًا على العلاقات السياسية والعسكرية التي ربطت مصر القديمة بمناطق الشرق الأدنى خلال عصر الدولة الحديثة.

READ  فرنسا تتهم صبي يبلغ من العمر 18 عامًا في مؤامرة هجوم داش: دليل قضائي

اكتشاف يثري تاريخ الحضارة المصرية

يمثل الكشف الجديد في جبانة البوباسطيون إضافة مهمة إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية التي تشهدها سقارة خلال السنوات الأخيرة، ويؤكد أن الموقع لا يزال يخفي الكثير من أسرار الحضارة المصرية القديمة. كما يساهم في توسيع فهم الباحثين لدور كبار المسؤولين والقادة والتجار في إدارة الدولة، ويعزز مكانة سقارة باعتبارها أحد أبرز المواقع الأثرية التي توثق تاريخ مصر عبر آلاف السنين.

أحدث الأخبار
أخبار ذات صلة