الثلاثاء, يوليو 21, 2026

السد الكهرومائي في تنزانيا يعكس عمق الشراكة المصرية الإفريقية ودبلوماسية التنمية

تشهد العلاقات المصرية التنزانية خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا يعكس توجه القاهرة نحو تعزيز حضورها في القارة الإفريقية عبر مشروعات التنمية والبنية التحتية. ويبرز مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري لتوليد الطاقة الكهرومائية في تنزانيا باعتباره أحد أكبر نماذج التعاون الاقتصادي والفني بين البلدين، ويجسد رؤية تقوم على نقل الخبرات المصرية ودعم التنمية المستدامة في دول حوض النيل والقارة الإفريقية.

جذور تاريخية لعلاقات مصر وتنزانيا

ترتبط مصر وتنزانيا بعلاقات تاريخية تعود إلى ستينيات القرن الماضي، عندما جمعت الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر والرئيس التنزاني الراحل جوليوس نيريري شراكة سياسية وفكرية وثيقة. وقد تبنى نيريري آنذاك سياسات تنموية مستوحاة من التجربة المصرية، وكان من أبرز طموحاته إنشاء سد ضخم على نهر روفيجي يسهم في إنتاج الكهرباء، وحماية المناطق المحيطة من الفيضانات، ودعم التنمية الزراعية والصناعية.

ورغم تأجيل المشروع لعقود، عاد إلى الواجهة مع تولي الرئيس الراحل جون ماجوفولي رئاسة تنزانيا، بالتزامن مع تنامي الاهتمام المصري بتعزيز التعاون مع الدول الإفريقية منذ عام 2014.

التعاون المصري يمهد لتنفيذ المشروع

شهدت العلاقات الثنائية دفعة قوية مع الزيارة التاريخية التي أجراها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تنزانيا في أغسطس 2017، وهي الأولى لرئيس مصري منذ نحو خمسة عقود. وأسفرت المباحثات بين قيادتي البلدين عن الاتفاق على توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري، مع التركيز على مشروعات البنية التحتية والطاقة.

وفي ديسمبر 2018، وقع تحالف شركتي المقاولون العرب والسويدي إلكتريك عقد تنفيذ مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية بقيمة تقارب 2.9 مليار دولار، بعد فوزه بالمناقصة الدولية التي طرحتها الحكومة التنزانية.

مشروع استراتيجي للطاقة والتنمية

يتضمن المشروع إنشاء سد ومحطة كهرومائية بقدرة إنتاجية تبلغ 2115 ميجاوات، مع إنتاج سنوي يقدر بنحو 6307 آلاف ميجاوات/ساعة، وهو ما يكفي لتلبية احتياجات ملايين الأسر التنزانية من الكهرباء.

READ  ظهرت شركة China Mobile في الولايات المتحدة بطيئة لأول مرة بعد إدراجها

كما يسهم المشروع في:

  • الحد من مخاطر الفيضانات السنوية.
  • تنظيم تدفقات المياه لدعم الزراعة.
  • تعزيز أنشطة الصيد النهري.
  • توفير بنية تحتية تدعم النمو الصناعي والتنمية الاقتصادية.

تقدم مراحل التنفيذ

في نوفمبر 2022، أكدت الرئيسة التنزانية سامية حسن، خلال زيارتها إلى مصر، تقدير بلادها للدور المصري في تنفيذ المشروعات التنموية الكبرى، مشيدة بما تحقق في مشروع جوليوس نيريري باعتباره نموذجًا ناجحًا للتعاون الإفريقي.

وبعد ذلك بفترة وجيزة، احتفلت مصر وتنزانيا ببدء ملء بحيرة السد، في خطوة رئيسية ضمن مراحل تشغيل المشروع. وشهدت الاحتفالية مشاركة مسؤولين من البلدين، وأُعلن خلالها بدء تخزين المياه تمهيدًا لتشغيل التوربينات وإنتاج الكهرباء.

كما واجهت فرق العمل المصرية تحديات هندسية ومناخية معقدة خلال تنفيذ المشروع، قبل الوصول إلى المراحل النهائية من الإنجاز.

زيارة الرئيس السيسي تؤكد الشراكة الاستراتيجية

جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة إلى تنزانيا لتؤكد استمرار التوجه المصري نحو تعزيز العلاقات مع دول حوض النيل، ودعم مشروعات التنمية والبنية التحتية، ونقل الخبرات الفنية والهندسية المصرية.

وأظهرت الزيارة أن التعاون بين القاهرة ودار السلام لم يعد مقتصرًا على مشروع السد، بل امتد إلى مجالات متعددة تشمل:

التعاون في القطاعات التنموية

  • التدريب وبناء القدرات.
  • الزراعة.
  • الصحة.
  • التعليم.
  • النقل.
  • إدارة الموارد المائية.
  • التنسيق السياسي في القضايا الإقليمية والدولية.

ويعكس هذا التنوع انتقال العلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.

دبلوماسية السدود وتعزيز التنمية الإفريقية

خلال العقد الماضي، كثفت مصر تحركاتها داخل القارة الإفريقية عبر زيارات رئاسية واتفاقيات تعاون مع مختلف الدول، في إطار سياسة تقوم على دعم التنمية المستدامة وتعزيز التكامل الإقليمي.

ويعد مشروع جوليوس نيريري أحد أبرز الأمثلة على ما يصفه مراقبون بـ”دبلوماسية التنمية”، حيث تعتمد القاهرة على خبراتها في مجالات البنية التحتية وإدارة الموارد المائية للمساهمة في تنفيذ مشروعات استراتيجية داخل القارة.

READ  دعا سياسيون أوروبيون كبار إلى تحقيق الأمم المتحدة في مذبحة إيران عام 1988

كما أعلنت مصر في مناسبات مختلفة استعدادها للمساهمة في تمويل وتنفيذ مشروعات مائية وتنموية أخرى، من بينها مشروع سد “أنجلولو” بين أوغندا وكينيا، إلى جانب توقيع مذكرات تفاهم في مجال الإدارة المتكاملة للموارد المائية، بما يدعم جهود التنمية في دول حوض النيل.

رؤية مصر للتعاون مع إفريقيا

تعكس السياسة المصرية تجاه إفريقيا رؤية تقوم على تعزيز المصالح المشتركة، ودعم مشروعات التنمية، والاستفادة من الخبرات الفنية المصرية في تنفيذ مشروعات البنية التحتية والطاقة وإدارة الموارد الطبيعية.

ويمثل مشروع سد جوليوس نيريري نموذجًا بارزًا لهذه الرؤية، إذ يجمع بين التعاون الاقتصادي ونقل الخبرات وتعزيز التكامل الإقليمي، بما يسهم في دعم التنمية المستدامة وتحسين جودة الحياة لملايين المواطنين في تنزانيا، ويؤكد في الوقت ذاته استمرار الدور المصري في دعم جهود التنمية داخل القارة الإفريقية.

أحدث الأخبار
أخبار ذات صلة